بينما تحاول القيادات الإسرائيلية تبادل الاتهامات والمسؤوليات في قضية الاعتداء على أسطول الحرية، وبينما لا تزال الإدارة الصهيونية تتجاهل تبعات تقرير غولدستون، وعملية اغتيال محمود المبحوح في دبي، تجد إسرائيل نفسها في مواجهة حقيقية أمام فرضية قيامها باغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005.
رغم أن القرائن التي قدمها السيد حسن نصر الله ليست أدلة، إلا أن العثور على إجابات حقيقية للجزئيات التي أعلنت، وما تحمله هذه الجزئيات من مؤشرات تفضي بمجملها إلى تكوين صورة كاملة عما ارتكبته إسرائيل في لبنان، لذلك كان التجاهل الإسرائيلي والتقليل من شأن ما عرض أمام الرأي العام، هما رد الفعل المتوقع إعلامياً وسياسياً وعبر تصريحات قادة العدو الصهيوني.
وبالطبع فإن ما قدم لا يشكل ملفاً متكاملاً لهذا الاتهام الصريح، لكنه حتماً يشكل سبباً قانونياً وموضوعياً يدعو كل ذي صلة بهذا الملف للمطالبة بفتحه وتناوله ومناقشته، بل السؤال عن سبب عدم البحث في كل الاحتمالات والفرضيات، حتى المسبقة والمعدة منها لأغراض سياسية، ولكن مع كل هذا فإن تغييب الفرضية القائلة بضلوع إسرائيل بالاغتيال ابتداء هو تقصير قانوني، كان سببه بالتأكيد (الغرض السياسي)، ولكن الآن الإقرار بأهمية هذه الفرضية (ضلوع إسرائيل) والعمل عليها والتحقيق بشأنها هو حاجة ضرورية لتحقيق العدالة من جهة، ولسلوك نهج قانوني جنائي بحثي وفق أبسط القواعد المتعارف عليها من جهة أخرى.
ومجدداً نقول: إن إنكار إسرائيل المسبق الذي تصاعد منذ أشهر على شكل تسريبات واتهامات لحزب الله، إنما كان مدفوعاً بإدراك إسرائيلي عنوانه أن حزب الله لن يسكت عن هذا الاتهام، وسيكشف أيضاً ما لديه من قرائن ووقائع.
وإذا كانت الاتهامات الصهيونية هي حصيلة موقف عدائي وسياسي من المقاومة، فإن اتهامات المقاومة لإسرائيل هي حصيلة معلومات وقرائن وعمل كبير أنجزته ليس فقط للدلالة على الفاعل وتحديده، وإنما أيضاً للدفاع عن لبنان ولاستجلاء الحقيقة ولتحقيق العدالة بطريقة سليمة وصحيحة وليس وفق مفهوم العدالة الصهيونية، وعدالة أولئك الذين يبررون لإسرائيل كل جرائمها واغتيالاتها.
إن تحقيق العدالة لا يمكن أن يتم على حساب العدالة ذاتها، وكذلك لا يمكن للعدالة أن تكون في مكانها عندما يكون البريء متهماً والفاعل الحقيقي يملك سلطة الاتهام والعبث بدهاليز العمل التحقيقي، وهذا ما يدفع إلى الدعوة للبحث عن الحقيقة المجردة وليس الحقيقة المزورة.