أمام إسرائيل ثمانية أيام لتوجيه ضربة عسكرية لمحطة بوشهر النووية ، والإ يكون قد فات الأوان " ، هكذا أعلنها مؤخرا ً جون بولتون سفير الولايات المتحدة السابق فى الأمم المتحدة ، ويبدو أن بولتون لايعبر عن وجهة نظر شخصية بقدر ما هى قد تكون تعبر توجهات الإدارة الأمريكية نفسها .
يلعب بولتون على وتيرة الهاجس الأمنى الإسرائيلى ، حيث أن إسرائيل تتابع الموقف بقلق بالغ ، لأن امتلاك إيران سلاح نووى - ولو بعد حين – يعنى بداية النهاية للدولة العبرية و التى ليست ببعيدة عن تهديدات إيران .
ويخرج نجاد ليرد على تلك التصريحات بنبرة ثقة ، ويقول بأن " إسرائيل أصغر من أن تقوم بمثل هذا العمل " .
هى حرب من التصريحات قد بدأت منذ فترة طويلة لتعلن عن حرب نفسية وقودها التصريحات شديدة اللهجة ،في انتظار ميلاد حرب وقودها قوة السلاح .
تظل إيران هى العدو الأول والأبرز لإسرائيل حالياً ، ربما لأن ضرب إيران يعنى موت إكلينيكى لحزب الله ، وحرمان سوريا من حليف قوى ، وكذلك التأثير سلبا ً على وضع حركة حماس كطرف هام فى أى معادلة تتعلق بالشرق الأوسط خاصة بعد أن بعدت حماس عن مصر. .
وتظل إسرائيل تعلم جيدا ً أن أى حرب قادمة فى المنطقة ستكون حرب شاملة تجر فيها أطراف عدة ، وتضع إسرائيل ثلاثة سيناريوهات نصب أعينها للتعامل مع النووى الإيرانى ، حيث يظل الخيار الأول والذى يحتل الصدارة وهو القيام بضربة عسكرية إسرائيلية ( أحادية ) مثلما ما حدث مع مفاعل تموز العراقى عام 1981 ، وهى الضربة التى أجهضت حلم العراق النووى .
اما الخيار الثانى فيتعلق بالتحريض على قيام إئتلاف دولى ضد إيران تتزعمه أمريكا ، لتوجيه ضربة عسكرية للمشروع النووى الإيرانى ، ويظل هذا الخيار سهلا ً على الدبلوماسية الإسرائيلية وربما أقل تكلفة أيضا ً .
كذلك تُحرك الدبلوماسية الإسرائيلية أمريكا من أجل الضغط السياسي والاقتصادي لحمل طهران، بالطرق السلمية، على الانصياع للإملاءات الدولية أو المضى قدما فى زيادة العقوبات الدولية على طهران .
وثمة خيار آخر مستجد، ويتمثل في الاعتراف بإيران قوة نووية، والتعايش مع هذا الوضع، بالنظر للتداعيات السلبية التي يمكن أن تنشأ عن مغامرة عسكرية ضد إيران، على إسرائيل والمنطقة، بالقياس على التجربة السابقة في كل من أفغانستان والعراق ، وهذا التوجه المستجد بات موجودا لدى أوساط إسرائيلية وأميركية، أيضا، مما يؤكد العجز والحيرة والتردد في مواجهة مسعى إيران لحيازة طاقة نووية.
ربما يأتى هذا الخيار من تلاقى أهداف إيران وإسرائيل فى تقاسم النفوذ فى المنطقة ، ولكنه يظل مستبعدا ً واقعيا ً لأن تداعيات هذا الخيار تعنى فتح سباق للتسلح فى منطقة الشرق الأوسط فى ظل وجود إسرائيل نووية وإيران نووية ، وهما دول غير عربية فى الشرق الأوسط الذى يتكون من أغلبية عربية ، وهو ما لن يقبله المجتمع الدولى عامة ، ولن تقبله تركيا أو مصر أو السعودية بصفة خاصة .
وفى هذا الإطار ، عرضت صحيفة نيويورك تايمز محاكاة لسيناريو محتمل لتوجيه إسرائيل ضربة لإيران أجراه مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط بمعهد بروكنغز ، وكان مراسل الصحيفة ديفد سانغر شاهدا على إعداد السيناريو، وتاليا تفاصيله:
1تبدأ المحاكاة بقيام إسرائيل –دون أن تبلغ الولايات المتحدة- باستهداف أهم ستة مواقع لمنشآت نووية إيرانية، واستخدام قاعدة إعادة تزويد بالوقود بالمناطق الصحراوية بالسعودية دون علم السعوديين.
فتزداد العلاقات المتوترة أصلا بين واشنطن وتل أبيب سوءا، ولكن عدم إبلاغ الولايات المتحدة مسبقا بهذه العملية العسكرية يسمح للولايات المتحدة بالإعلان عن عدم تواطؤها في الهجوم.
بعد سلسلة من الاتهامات المتبادلة بين الأميركيين والإسرائيليين، تطلب واشنطن من تل أبيب وقف الهجوم، رغم أن البعض في واشنطن يجدون بهذه اللحظة فرصة لإضعاف النظام الإيراني وخاصة الحرس الثوري.
ولدى اتهام إسرائيل بإحداث هذه الفوضى، تطلب واشنطن من تل أبيب الانزواء، في حين تحاول الولايات المتحدة تسوية الأمور.
رغم مطالبتها للبلدين بضبط النفس، ترسل الولايات المتحدة بطاريات باتريوت المضادة للصواريخ إلى المنطقة كتحذير لإيران بعدم الرد.
إيران من جانبها تطلق الصواريخ على إسرائيل بما فيها مجمع الأسلحة النووية بديمونا، غير أن حجم الدمار والخسائر يبقى محدودا، في حين أن وكلاء إيران ، حزب الله في لبنان وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) يطلقان هجمات صاروخية على إسرائيل.
ولكن إسرائيل هنا لا ترد اعتقادا منها بأنها حققت هدفها المنشود، وهو إعادة البرنامج النووي الإيراني إلى الوراء سنوات.
هنا إيران تعتقد أن لديها فرص طويلة الأمد ،رغم ما أصابها من جروح- لتوحيد شعبها، وملاحقة أحزاب المعارضة على أسس قومية.
فإستراتيجيتها تكمن في تصعيد الهجمات ذات المستوى المنخفض على إسرائيل في الوقت الذي تصور فيه أميركا بأنها نمر ورقي، أي عاجزة عن التحكم بحليفتها وغير مستعدة للرد على إيران.
ولقناعتها بأن السعوديين متورطون في الهجمات الإسرائيلية، وبسبب الجرأة التي كسبتها من خلال الموقف الأميركي المبدئي، تطلق إيران صواريخ على مركز تصدير النفط السعودي في أبقيق، وتحاول أن تحرض الشيعة في المناطق الشرقية بالمملكة للهجوم على النظام السعودي.
كما تشن طهران هجمات "إرهابية" على الأهداف الأوروبية، أملا بأن تنقلب تلك الحكومات على إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.
بعد لقاء يجمع القيادة المنقسمة في إيران، طهران تقرر التراجع عن استهداف الأميركيين لتجنب أي رد أميركي ، رغم أن الرد الإيراني على إسرائيل يوقع دمارا محدودا، فإن المنتقدين بوسائل الإعلام الإسرائيلية يقولون إن قادة البلاد أضعفوا مصداقية الردع عبر فشلهم في الرد على أي هجوم ، وحزب الله من جانبه يطلق نحو مائة صاروخ يوميا على شمال إسرائيل، وبعضا منها على تل أبيب وحيفا
الاقتصاد الإسرائيلي يتراجع، ويبدأ المسؤولون الإسرائيليون في حث الولايات المتحدة على التدخل إثر تذمرهم من مغادرة ثلث سكان البلاد إلى الملاجئ، وإجلاء مئات الآلاف من حيفا وتل أبيب.
لا أحد ينتصر في الحرب على إيران، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل تختلفان بعدها في تقييمهما لمدى نجاح العملية العسكرية
أخيرا تفوز إسرائيل بالإذعان الأميركي للانتقام من حزب الله، فتأمر واشنطن بحملة ضد لبنان تنفذها قوات خاصة وجوية لمدة 48 ساعة، وتبدأ بالإعداد لشن عملية برية وجوية أكبر حجما.
نظرا لإدراكها أن سلاحها الأخير هو رفع أسعار النفط مستويات عالية، تقرر إيران الهجوم على مركز الصناعة النفطية في الظهران السعودية مستخدمة صواريخ تقليدية، وتبدأ بزرع الألغام بمضيق هرمز.
بعد تعرض الإمدادات النفطية والقوات الأميركية للتهديد، تبدأ واشنطن بتعزيز عسكري شامل بمنطقة الخليج.
تنتهي الحرب بعد ثمانية أيام من الهجوم الإسرائيلي على إيران، ولكن من الواضح أن واشنطن كانت تميل إلى تدمير جميع الأهداف الإيرانية في الجو والبر والبحر داخل وفي محيط مضيق هرمز، وأن القوات الإيرانية كانت على وشك أن تمنى بهزيمة منكرة.
ويحتدم النقاش حول مدى الضرر الذي لحق ببرنامج إيران النووي، وما إذا كان لدى طهران منشآت سرية يمكن أن تبدأ العمل في غضون عام أو اثنين.
الهجوم الإسرائيلي دون إعلام الولايات المتحدة مسبقا يجعل تل أبيب تستفيد من عنصري المفاجأة والزخم أكثر من الإيرانيين والأميركيين.
المعركة سرعان ما تمتد إلى المنطقة برمتها وواشنطن، فالقادة العرب الذين ربما يؤيدون ضرب إيران يشعرون بالقلق من رد فعل الشارع، وتنتقل الحرب إلى الدفاع عن المنشآت النفطية السعودية، كما أن استخدام إيران لوكلائها يعني أن لاعبين آخرين بالمنطقة سيشتركون بالمعركة.
يمكن قصف المنشآت ولكن لا يمكن استهداف المعرفة، فإيران لا تعمل على نشر منشآتها وحسب، بل قيادتها العلمية والنووية أملا بقدرتها على إعادة البناء بعد الهجوم.
لا أحد ينتصر بهذه الحرب، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل تختلفان في تقييمهما لمدى نجاح العملية العسكرية.
فالمسؤولون بواشنطن يعتقدون أن إعادة البرنامج النووي الإيراني إلى الوراء سنوات قليلة لم يكن يستحق الثمن الباهظ.
أما إسرائيل فتعتقد أن تأجيل البرنامج النووي حتى لو كان سنوات قليلة، يستحق العناء وما بذل من ثمن، وأن ذلك قد يقوض النظام الإيراني ويعجل بزواله.
ويبدو أن أمريكا وإسرائيل تعلمان جيدا ً أن ضرب المنشآت النووية الإيرانية هو أمر مكلف للغاية ، ويستحق ثمن باهظ ، فإيران شوكة فى ظهر التواجد الأمريكى بالعراق ، وتستطيع إغلاق مضيق هرمز ، كما تستطيع تهديد القوات الأمريكية فى أفغانستان ، بالإضافة لتهديد كل القواعد العسكرية الأمريكية فى دول الخليج .
كما تعلم إسرائيل جيدا ً ، أن إيران رابضة على حدودها عن طريق حليفتيها حزب الله وحركة حماس ، وأن الأخيرتين تستطيعان ضرب تل أبيب بالصواريخ وقتل الآلاف .
يبدو أن إسرائيل تفكر جديا ً فى ضرورة إيقاف البرنامج النووى الإيرانى ، لكن الأكثر وضوحا ً أن للحرب حسابات عديدة ، تحاول أن تخرج منها إسرائيل بأقل الخسائر ، ولكنها لن تتفادى حدوث خسائر كبيرة .
وبالتالى فإن المنطقة مقبلة على حرب جديدة ، وهو ما أصبح أمر غير قابل للنقاش ، ليبقى النقاش مفتوحا ً فقط حول توقيت هذه الحرب ، هل ستنفذها إسرائيل خلال أيام كما أعلنها بولتون ؟ أم أن للحرب حسابات أخرى من وجهة نظر القادة العسكريين والسياسيين فى إسرائيل لايعلمها بولتون نفسه ؟ .