تورطت أمريكا على مرّ الأعوام السبعين الماضية في العديد من الحروب الخاسرة، وكانت تنجح في كل مرة بالانسحاب من المستنقع الذي تصنعه بيديها، ويبدو أن لعنة التهور تطارد العديد من الرؤساء الأمريكيين، الذين لم تكفهم دروس الماضي ليعتبروا، فالسيناريوهات الحربجية تتناسخ، والاعتداءات الكارثية على الشعوب تتوالى، ولواشنطن يد مباشرة فيها أو غير مباشرة: كوريا، فيتنام، العراق، أفغانستان..
الانسحاب الأمريكي من العراق، ورغم أنه خطوة مهمة على طريق استعادة العراق لكرامته وسيادته، سيظل خطوة ناقصة ولا تعدو كونها ذراً للرماد في العيون، فالاحتلال يبقى قائماً مابقي جندي أمريكي واحد في العراق، ومشاريعه في تفتيت المنطقة والسيطرة على ثرواتها ومقدراتها ستظل مطروحة لأن لا حياة لواشنطن دون حرب ونفط، والدليل على ذلك أن القوات الأمريكية تغادر العراق تاركة خلفها بلداً مدمراً و50 ألف جندي و94 قاعدة عسكرية موزعة في كل أنحاء البلاد وعشرات الآلاف من عناصر الشركات الأمنية الخاصة «المرتزقة»، والذين ارتكبوا جرائم حرب لم يحاسبوا عليها شأنهم في ذلك شأن الجنود الأمريكيين، فالانسحاب وفق هذه المعطيات شكلي لايغيّر من واقع الأمر شيئاً وأقرب مايكون لعملية إعادة نشر القوات وتغيير قواعد اللعبة..
ويأتي الانسحاب بعد أن قضى الاحتلال على وحدة العراق والبنية التحتية فيه، وكرّس واقعاً مليئاً بالفوضى الأمنية والفساد الإداري والمالي، وبعد سبع سنوات ونصف من تدمير العراق ونهب ثرواته تحت شعار «إعادة الإعمار» و«تحقيق الديمقراطية»، والتي لم يتحقق منهما شيء: فمشاريع إعادة الإعمار تذهب أدراج الرياح، وعشرة ملايين عراقي بين قتيل وجريح ومشرّد وأرملة ويتيم، والوضع البيئي يتجه نحو كارثة كبرى جراء استعمال قوات الاحتلال الأسلحة المحرمة دولياً في جريمة فاقت بتداعياتها وانعكاساتها كل الآثار التي سببتها قنبلتا ناغازاكي وهيروشيما، والأمن منعدم ويخشى العراقيون الخروج من البيت فلا يعرف أحد متى سيموت في انفجار قنبلة أو سيارة ملغمة..
إن أحوال العراق تبدو كارثية بجميع المعايير، الأمر الذي يزيد من حجم التحديات التي يواجهها هذا البلد الشقيق للنهوض من جديد، فلابد من تحقيق مصالحة وطنية حقيقية، وإنهاء الاستقطاب الداخلي لأنه صمام الأمان لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني، وبناء مؤسسات الدولة القادرة على أداء مهماتها للانطلاق نحو بناء العراق الموحد، والعودة الى الحضن العربي..