كتبت أسمهان الزعيم الباحثة في الأدب واللغة الاسبانيين أطول رواية في الألفية الثالثة في المغرب، ليس فقط من حيث الحجم، ولكن أيضا من حيث الشخوص والقضايا المطروقة ومن حيث البذخ الفني. ومع ذلك جاءت الرواية بذاكرة قوية إلى قارئها، لتخلد مشهد الروايات التي تروم الفنية دون أن تبخس المعنى والقيم حقهما في زمن التهافت على المعنى. نستمع إليها في هذا الحوار عن الكتابة والرواية وانشغالاتها بالعالم والحياة.
* كتبت رواية ضخمة بحجم الملاحم، ودون شك أنها أخذت منك زمنا طويلا. هل لك أن تحدثينا عن طقوس كتابة ' ما قيل همسا'؟
* لقد أخذت مني كتابة رواية ' ما قيل همسا' ردحا من الزمن وبدأت إرهاصاتها الأولى مع بداية حرب الخليج الأولى، فتخلل عوالمها البوح والهمس الخفيض'أو'الصاخب. وكل ما أستطيع قوله عن طقوس كتابتها هو كون فصولها الطويلة كتبت في كل من العاصمة الرباط ومكناس مسقط رأسي، وكان لا ينقاد لي القلم إلا حين أكون في غرفتي الخاصة التي أقفلها على نفسي وأعرج بهدوء إلى سراديب الذاكرة وعوالم التخييل، ولا يمكنني أن أكتب إلا إذا عم الهدوء التام البيت، ولهذا غالبا ما أستسلم لرغبة الكتابة حين يسدل الليل ستاره على الدنيا ويهدأ الضجيج داخل وخارج'البيت حين يكون الكل قد غادر إلى مضاجعه.
* هناك في النص مقاطع شعرية تدل على أن الروائية شاعرة قبل أن تكتب الرواية، وأن ديوانها موزع عبر الفصول. ما حدود وصلك وفصلك بين الجنسين؟ أو بعبارة أخرى متى يبدأ الشعر وينتهي السرد؟
* الحقيقة أنني لا أعرف الحدود بين جنس الرواية وكافة الأجناس الأدبية الأخرى، وفي رأيي أن الرواية عالم فضفاض قد تتسع مرافئه لكل الأجناس الأدبية، وهذا قد يعطيها صبغة الشمولية والقدرة الهائلة على احتواء كل أنماط الكتابة من شعر ونثر وتاريخ وفلسفة ومقالة ورسالة ومذكرات... وبما أن مشواري الأول في الكتابة بدأ شعرا فإن القصيدة أضحت تسكنني وتقودني لا شعوريا إلى عوالم الرواية التي تزخر بالبوح والتأمل والاستبطان والموسيقى والتخييل الجامح أحيانا، مما يدل بقوة على أن كل الأجناس الأدبية تتشابك في حميمية في وجداني، فقد أشرع في نظم قصيدة فتكون لي مدخلا حميميا لفصل في رواية والعكس بالعكس صحيح، وكأن الشعر والسرد يصبان في بعضهما بشكل متواتر لا متناه.
* تعتبر شخصية مها مركز الكون الشعري. وقد جاء اختيارها بناء على مجموعة من القيم المعيارية التي تستضمر في الآن نفسه الترويج لنموذج معين. فمن هي هذه المها في علاقة مع الذات والراوي والبطل والواقع؟
* في البدء أود أن أوضح أن مها شخصية روائية ومحورية في روايتي لكنها شخصية من ورق ابتدعتها، ورغم ما يبدو للقراء والنقاد من أوجه الشبه بيني وبينها فهناك دائما أوجه كثيرة للاختلاف تميزها عني فمها شخصية رومانسية، عاشقة ومعشوقة في آن واحد، شغوفة، حالمة، متذمرة، شقية وساخرة أحيانا بيد أن اسمهان الزعيم في واقع الحياة لا تحلم كثيرا، لكنها حين تلج محراب الكتابة تحلق بعيدا وتشرع بوابة الحلم على مصراعيها فتجدها تهيم على وجهها في ملكوت الكتابة الآسر، تقتحم العتبات المعتمة وتكتشف السراديب الخفية.
* في الرواية يحضر جانب سيري لا يمكن نكرانه سواء عبر ذكر الفضاءات أو الأسماء أو السمات الدلالية الرمزية وما توحي إليه من قيم. كيف تعقبين؟
* لا يمكن للكاتب أن يتخلص بشكل نهائي من ذاته وهو يكتب، وهو حتى عندما يشرع في الكتابة عن الآخر فهو يكتب عنه من خلال وجهة نظره الخاصة ومن منظوره الخاص، فحضور بعض الشذرات الذاتية في الرواية يمنحها طابعا من المصداقية والواقعية التي تطعم العمل الروائي وتدعم النسيج السردي وتجعل القارئ يتعاطف لا محالة مع الكاتب والشخصيات والأحداث معا، إلا أن حضور المادة التخييلية في روايتي يفوق بكثير ما حوته من السيرذاتي.
* هناك سيطرة كبرى لتيمة الفشل في النص وهي مؤشر دلالي يحضر لدى أغلب الشخوص على تنوع مرجعياتها وثقافاتها. هل المقصود هو الفشل العربي أم فشل الذات أم كلاهما؟
* إنه فشل عام أي فشل الذات'العربية على جميع الأصعدة سواء منها الذاتية أو السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية...
* تتعدد في النص الروائي الخطابات وتتزاوج الأنماط، مع أن السرد يظل هو الحبل الناظم في العالم الروائي. هل تنطلقين، في هذا البناء، من نظرية مرجعية نقدية تحيل على بوليفونية باختين أم أن الأمر يأتي بالموهبة بشكل تلقائي؟
* صحيح أن النقد الحديث يحيلنا على هذه التعددية في الأجناس والأنماط والخطابات في الكتابة الروائية إلا أن تعدد الخطابات في روايتي يأتي من قناعة ذاتية حيث أجد في الرواية جنسا أدبيا يحيلني على الحياة بشساعة عوالمها والحلم بمرافئه اللامحدودة، ومن هنا يأتي هذا التعدد النابع أصلا من رؤيتي الخاصة للرواية كمنبع لا ينضب ومدى لا يحده أفق في التخييل والحلم والقدرة الهائلة على احتواء كافة الخطابات والأجناس على اختلاف أنماطها وأشكالها.
* يقال إن الكتاب المغاربة لا يكتبون رواية بل سيرا ذاتية. إلام يعود في نظرك هذا الإشكال؟ هل لقصر المتخيل أم لاختيار فني يريد الانزياح عن المدرسة الشرقية التي تدعي الريادة في كل شيء؟
* هذه وجهة نظر الكثير من الباحثين والنقاد ولا أستطيع أن أجزم بصحتها مئة في المئة، فهناك دائما قسط من التخييل الذاتي يتخلل كل الروايات المغربية، إلا أن نسبة التخييل قد تتفاوت من رواية إلى أخرى ومن كاتب إلى آخر. وإذا جزمنا بالقول أن بعض ما يكتب هو حصرا سير ذاتية فقد يكون ذلك لقصر المتخيل وقد يكون اختيارا فنيا يجد فيه من يختاره ملاذا ومتعة.
* تعددين اللغات في هذا النص: من الفصحى إلى العامية إلى الأجنبية. هل تبغين من وراء ذلك تأسيس تعددية لغوية أم تحرير الجنس الروائي من سلطة الفصحى أم لذلك دلالة فنية وثقافية محضة؟
* أنا شخصيا أؤمن بالتعددية اللغوية وبجمالية كل لغة على حدة، وإذا كانت روايتي قد احتوت على شذرات من اللغة الفرنسية والإنكليزية والإيطالية والعامية المغربية فلكوني وجدت فيها دلالة فنية وثقافية عميقة. فأنا مثلا حين أوردت بعض الحوارات بالعامية المغربية في روايتي فلأنني وجدت فيها جمالية خاصة ومتفردة لم أجد لها بديلا في اللغة الفصحى.
* تجسد الرواية الفشل المريع الذي يعصف بالمثقف العربي من المحيط إلى الخليج فيجعله بطلا إشكاليا بمفهوم لوكاتش يدور في الدوامة الفارغة نفسها. فأين يتموقع هذا المثقف في علاقته بالآخرين؟ هل هو عنصر نشاز وسطهم أم أنه حامل قيم أم هو شيء بين هذا وذاك؟
* إن المثقف العربي لا يمكنه أن يؤسس مجتمعه الخاص به منفردا ومنعزلا، فهو يعيش أحَبّ أم كرِهَ، داخل المجتمع، يحتك به، ينشغل به، يشكو منه ويسعى عن طريق الإبداع إلى تشكيل ما يخالجه من أحلام وأوهام والتعبير عن قيمه بالأدب والتشكيل والموسيقى والنحت... علما بأن لكل مثقف قيمه الخاصة.
* تجسدين عبر النص نقاء اللغة والدلالة من عتبات التجوز الأخلاقي الذي يخدش الحياء. وقد ظلت ' مها' محافظة على جسدها رغم العواصف التي صادفتها في طريق المسار السردي. هل هذا الاختيار نقد مبطن للكتابات التي تعري الجسد وتكشف الغرائز أم إحياء للنص الملتزم الذي يبلغ رسالة سامية إلى المتلقي؟
* لم يكن قصدي البتة نقد نوع من الكتابات التي تعري الجسد وتبجيل نوع آخر'لكنني بطبيعتي أكره الميوعة ولا يمكنني بأي وجه من الوجوه أن ألج عتبات الكتابة التي تخدش الحياء، كما أنني أؤمن إيمانا عميقا بأن لغة الإيحاء والتلميح والرمز هي أقوى بكثير وأشد وقعا من اللغة الفاضحة والكاشفة للعورات والغرائز.
* نلمس عبر النص حضور إشكال الهوية الحضارية القطرية والعربية في آن واحد، وكيف أن البطلة تتعامل مع الآخر بمنطق تسامح دون أن تفرط في هويتها الأخلاقية والدينية والثقافية. فهل ترومين من خلال ذلك بلورة تصور كوني لمفهوم التعايش أم دعوة إلى تحصين الهوية بالمواجهة والتحدي والتحضير للآفاق الغائمة التي تواجه هذه الهوية؟
* إنني أؤمن بالتسامح والتعايش لكن دون التفريط في الهوية الأخلاقية والدينية والثقافية، لكن إذا كان الخصم عنيدا فلا أجد بدا من مواجهته بالتحدي لتحصين الهوية وفرض الذات.
* لماذا فضلت أن تقولي ما قلت همسا؟ أية حكمة من وراء ذلك؟
* إن ما يقال همسا يكون دوما أكثر جاذبية وتشويقا، وهو لا يقال همسا إلا لكونه يتوفر على جانب من التشويق والسرية والغموض والطرافة والعجائبية أحيانا. فما يقال جهرا هو الكلام المعتاد المتداول، وما يقال همسا يدخل في إطار الأسرار أحيانا، ومن هنا قيمته وسحره.
* هل أنت كاتبة نسائية أم كاتبة إنسانية؟ وما رأيك في مفهوم الكتابة النسائية الذي تدافع عنه مجموعة من النقاد مقابل مجموعة أخرى تسفه هذا الفصل الجنسي للكتابة بين الذكر والأنثى؟
* طُرح علي نفس السؤال من طرف القاص المغربي عبد الله المتقي في حوار أجراه معي ونشره في عدة منابر، فأنا لا أؤمن شخصيا بتجنيس الأدب إلى نسوي ورجالي، فالإبداع إنساني في الأول والأخير بغض النظر عن جنس وجنسية كاتبه، لكني أجزم أن ثمة خصوصيات تتميز بها الكتابة عند المرأة، فالبوح عند المرأة لا يشبه البوح عند الرجل مثلا، وحساسية المرأة لا'تشبه حساسية الرجل، وقد تلتقط المرأة الكاتبة إشارة ما أو تفصيلا معينا قد لا يعيرهما الرجل الكاتب اهتماما والعكس بالعكس صحيح. لكن الإبداع عموما والأدب خصوصا تبقى ميزته النهائية في كونه نتاجا وإبداعا إنسانيا يعبران عن تجربة صاحبهما في الحياة والكتابة وطريقة تعاطيه معهما.